وصف المدون

إعلان الرئيسية

 


القوانين الكونية.. ما بين التصنيف والتأصيل

 
الكاتب والباحث/ عبد المنعم إبراهيم


بداية: يجب تعريف مصطلح القانون بحسب استنباطه من السياقات القرآنية.

القانون هو: النظم والقواعد الثابتة, والأحكام الشرعية التي أوجدها الله لهذا الوجود، والتي يقوم عليها الكون المادي، ويقوم عليها كذلك الأفراد والمجتمعات، وباقي المخلوقات، وقد وجدت هذه القوانين لكي تنتظم الحياة بشكل منضبط ومتوازن بما ينفع البشرية, وبالنظر الى كتاب الله العزيز نرى أن رب العزة يدعونا  إلى التفكر في هذا الكون المنظور, لنستنبط سننه وقوانينه, وذلك لنتدبرها ونعقلها ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[ العنكبوت: 20]،{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ ...} [الحج: 46].

إن كل من يقرأ القرآن الكريم, ويتدبر آياته، ويحاول فهم مقاصدها ودلالاتها، يمكنه الاستنتاج بأن الوجود الذي نعيشه، والحياة التي نحياها إنما هما قائمان على مجموعة من السُنن الكونية التي يُطلق عليها في لغتنا العصرية ب"القوانين"، والتي تتمثل في قوانين "الخلق والصناعة", وقوانين "الأمر والنهي"، وقوانين "التحريم والتحليل"، وقوانين "النصرة والتأييد والتمكين" , وقوانين "العقاب والحساب والهلاك", فجميع  هذه القوانين هي بمثابة مجموعة من القواعد والأحكام التي شرعها الله تعالى لضبط حركة ونظام الكون" المادي"، و"التشريعي" كذلك، وذلك وفق دستور مُحكم، ومُتقن، وهي بطبيعة الحال وفق إرادته ومشيئته النافذة، وعليه فهي لا تختل، ولا تتبدل، ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾[ الأحزاب: 62], {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، وعليه فإن معرفتها بات ضرورة, وواجب شرعي, سيما وأنها تبصرنا وترشدنا الى السلوك الصحيح في الحياة الدنيا, في ظل هذا الصدد إرتأيت أنه من المناسب تقسيم هذه القوانين الى عدة أقسام, حتى تتم المقاربة  لفهمها، وذلك بما يتوافق بطبيعة الحال مع تأصيلها في التنزيل الحكيم, وهي تأتي على النحو التالي:


١ - قوانين كونية.
الحديث يدور هنا حول القوانين التي تتعلق بالجانب "المادي المنظور" في الطبيعة الكونية ، مثل:(الشمس, والأرض, والقمر, والنجوم, والمجرات- الرياح والعواصف, والأمطار, الليل والنهار, الجاذبية, الرعد والبرق..الخ,  وبطبيعة النواميس المتحكمة بضبط حركة وتوازن هذه المكونات, مثل: حركة دوران الأرض حول نفسها, ودورانها حول الشمس, ودوران القمر حولها, وحركة ودوران الكواكب والمجرات, ومثل " الجاذبية" التي ينتج عنها ظاهرة المد والجزر، وكذا ظاهرة تعاقب الليل والنهار، والشروق والغروب، وظاهرة الدورة المطرية(التبخر-التكاثف- الهطول) ومثل قانون السرعة والدوران وقانون الحركة، وقانون الضوء…الخ, فجميعها كما سبق ذكره قوانين وضعها  رب العزة سبحانه وتعالى لإحكام توازنات  الطبيعة الكونية، والتي يُعبر عنها في علوم الفضاء والفلك بـ"القوانين الفيزيائية", حيث لا يمكن لأحد من هذه المكونات  تجاوز حدوده ومداره, مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾, (وَهُوَ الَّذي خَلَقَ اللَّيلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسبَحونَ), {لا الشمسُ يَنبغي لها أَن تُدركَ القمرَ ولَا الليلُ سابِقُ النهارِ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يسبحون}, {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ}. وهذه القوانين ثابته, وصارمة, وشاملة, وتسري على الجميع ولا تحابي أحداً مهما كان, سواء أفراد, أو جماعات, او أعراق، أو أنساب، أو قوميات, أو طوائف, كما ولا يمكن لأحد من الخلائق أن ينفيها, أو حتى يطالب بوقفها أحد منها - لا بالرجاء ولا بالتمني, ولا حتى بالدعاء,﴿ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ مثال: لا يمكن لإنسان أن يطلب من الله أن يوقف قانون الدورة المطرية عن العمل, فهذا قانون كوني عام وثابت, فيه خير للبشرية جمعاء, ولجميع المخلوقات, وحياتها جميعاً قائمة عليها, كما وأن الانسان لا يستطيع ولا يحق له طلب الغاء قانون الجاذبية, أو قانون الموت, فجميع هذه القوانين لا يصلح الكون والحياة إلا بمقتضاها.

في هذا المقام تجدر الإشارة الى أن هذه القوانين عامة - تتعلق بمقام "الربوبية"     ( المُلك والخلق)، قال تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.

 

2- قوانين الاهية:

تتمثل هذه القوانين في إرادة الله وأوامره الشرعية، وحكمه في الأنفس والمجتمعات, وتسير بطبيعة الحال وفق مقام ( الألوهية), سيما وأنها المُنظمة لفكر وسلوك الإنسان (فرداً وجماعة وامة), وكذلك هذه القوانين هي بمثابة "الصيغ الإخبارية" للنهج الإلهي, ولكلماته  وأفعاله الجارية على العباد, والتي سوف أتي عليها بأمثلة وفق التصنيف التالي :


أ- "تشريعية"

هي القوانين التي تتعلق بالإنسان،" تشريعات " وبالتكليفات الحركية (صلوات, وعبادات )، وبالأوامر, والنواهي( افعل ولا تفعل)، وبـ(المحرمات), ﴿  شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾[ سورة الشورى: 13].


ب- إجتماعية:

الظواهر الاجتماعية: هي تلك الناجمة عن تفاعلات الأفراد والجماعات والأمم مع بعضها البعض، ودخولها في شبكة من العلاقات المتبادلة , وتصرفاتها المتداخلة, وقد جاءت هذه القوانين بمثابة القواعد التي تحكم وتنظم هذه المجتمعات فكراً وسلوكاً، وسبل وعادات متبعة، وقيم وأخلاقيات, في هذا المقام يمكن القول أن هذا القانون لا يتم تفعيله إلا في حال تم تحريف أو تغيير في "السُبل المجتمعية المألوفة" حيث  سينتج عن هذه التغيرات- تغيير من عند الله, يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). ففي هذه الآية الشريفة دلالة على أن التغيير سواء على مستوى  الأفراد أم الجماعات لا يتم إلا عبر تغيير النمط السائد لدى هذه المجتمعات, بمعنى أن الله لا يُغير ما بقوم من النعم إلا  عندما يُغيروا ما بأنفسهم, كأن يتبدلوا على سبيل المثال من الطاعة الى المعصية, أو من الإيمان الى الكفر, في مثل هذه الأحوال الله يُخبر أنه سيسلب تلك الأنعم, وسينقل من يتبدل من الخير والسرور الى الشقاء والكدر.

ج- إخبارية:

1- الثواب والعقاب: هذا القانون يخضع ويسير بالأساس للصيغة "الشرطية" التي تؤكد على العلاقة الطردية بين الثواب والعقاب, وهي بمثابة مبادئ يمنح الله خلالها  الثواب لأهل الطاعة، ويوقع العقوبة على أهل  المعصية, ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَّرَه ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَّرَه﴾ , ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَه عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزٰى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَيُظْلَمُوْنَ﴾ (الأنعام : الآية 160) ﴿اِنْ تَقْرِضُوْا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُّضَاعِفُهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (التغابن آية: 17), {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(النحل:97), في المحصلة فإن التنزيل الحكيم زاخر بالآيات(الخبرية, أو الإخبارية) "إذا جاز التعبير" التي لا مجال لحصرها, والتي تكشف للعباد الآليات والسبل التي تخضع للصيغ الشرطية.

2- "النصر والهزيمة"

هذا القانون يأخذ نفس حكم قانون الثواب والعقاب, وذلك من خلال تطبيق ذات الصيغة الشرطية عليه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}, يخبر الله عز وجل في هذه الآية بأن نصر الأمم  لا يتحقق إلا بنصرة الله, قد يسائل سائل هنا, هل يريد الله منا نُصرة, الجواب نعم يريد, ولكن... كيف تكون صيغة نصر الله؟ الجواب بكل بساطه هو: اتباع منهجه والتزام أوامره, والسير على صراطه المستقيم الذي لا إعوجاج فيه .


د- قانون "الإبتلاء": 
هذا القانون من القوانين الإلهية (الاجتماعية) الجارية على جميع الخلائق، والذي كثيراً ما توقفت عنده، محاولاً فهم مضمونه, ودلالاته, سيما وأنني كثيراً ما كنت أسمع من البعض أنه كلما حدث لإنسان (ما) شيء (ما)- قاهر أو عظيم كمرض أو حادث سير أو حالة وفاة لدى أحد أحبته, وخلافه من هذه المصائب مباشرة يقولون أنه ابتلاء, أي(انتقام) من الله!, وكنت دائماً أتسائل أن إنسان ما- قام بذنب ما, أو فعل فعلة ما لا يُحبها الله – أبالضرورة أن أيبتليه الله مباشرة بمرض ما, أو بنقص في رزقه, أو في ذريته كانتقام منه على فعلته هذه؟

حقيقة وأنا أتدبر جميع الآيات الواردة في التنزيل الحكيم, الخاصة بالابتلاء, محاولاً فهم مقصدها توصلت الى نتيجة الى أن الابتلاء كسنة إلاهية تكتسب أهمية كبيرة في النظام الكوني(الإنساني) ، وأنه بمثابة قانون جاء ليحدد التصرفات وردود الأفعال في حال تم تفعيل هذا (القانون)، أو في حال مس أحد من الناس شيء من عناصره في ظرف ما, وأن هذا القانون لا يعني الانتقام "البته", بل هو عام يعني "الإختبار" ضمن حدود ومضلة أوجدها الله, وذلك  ليميز الصادق من الكاذب ، والساخط من الصابر( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ...) البقرة/ 155), فالخوف على سبيل المثال ظاهرة أوجدها الله, وفطرة أودعها في النفس البشرية, ومظاهر وعناصر الخوف موجودة في الطبيعة منذ أن خلقها الله, فإذا تعرض الإنسان لأي مظهر من مظاهر الخوف في الطبيعة المحيطة به (صوت انفجار, رعد, صراخ مفاجئ, شيء يسقط بالجوار فجأة, لهب ناري ..الخ), فإنه حتماً سيشعر بالخوف, وهذا لا يعنى أن كل من شعر بالخوف أن الله أمر بإخافته, لا بل أن هذا الإنسان كان قد قام بنفسه بتفعيل هذا القانون, وعرض  نفسه لأحد عناصر هذا الخوف, والجوع ونقص الثمرات كذلك يقعان ضمن حدود هذا القانون, فعلى سبيل المثال إذا لم يسعى الإنسان ولم يأخذ بأسباب الرزق فإنه سيتعرض بلا قيد أو شرط الى النقص, وعليه سيشعر بالجوع, وكذا الموت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴿٣٥ الأنبياء﴾, فهذه الآية تشير الى أن الابتلاء الذي يعني "الاختبار" حاصل حال  وقوع الشر, الذي يعني "الشدة" وحال وقوع الخير, الذي يعني السعة والعافية.

في المحصلة أن أي من هذه الابتلاءات لا يقع إلا حين يتم تفعيل أحد قوانينها, او حين يمس الإنسان شيء من عناصرها, وهذا هو معنى الابتلاء الحقيقي, والله أعلم.

هـ- قانون التدافع والتداول:

التدافع يعني تغول وتغلب طرف ما على الآخر, سواء أفراد أم جماعات, ليتجسد المعنى بين الحق والباطل, فهذا قانون كوني عام, وإن استدعاء هذا القانون وحضورَه يتأتى على أثر السلوك الإنساني, والفعل البشري, وهذا بطبيعة الحال يسري بين الأفراد والمجتمعات وبين الأمم, وقد جاء هذا القانون لكي  يحقق المنافع و المصالح بين الناس, ويدرأ المفاسد ويمنع الضرر والتسلط الدائم, فلا يبقى المتكبر متكبر, ولكي لا يتغول الفاسد بفساده في الأرض، لقوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [سورة البقرة: آية٢٥١], وقد يأتي قانون (الاستخلاف في الأرض) مرتبطاً بقانون التدافع, حيث أنه يحقق خلال التدافع التمكين للذين امنوا, قال سبحانه وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة النور: آية 55]

 

ز- قانون "الحياة والموت"

هذا القانون كأي من القوانين التي شرعها الله, بل لا يقل أهمية عن غيره من تلك القوانين, إن لم يكن أهمها, سيما وأنه يختص بالأنقس حصراً, ويشمل حياتها وأخرتها - دنياها ومآلها, وهو يجري على جميع مخلوقات الله, ولا يُحابي أحد، ولا يمكن تعطيله كقانون عام لسبب كان, كما ولا يمكن استثناء أحد منه، ولكن يمكن القول أن الله منح الإنسان إمكانية حفظ النفس، وإطالة العمر، وذلك إذا ما أخذ الإنسان بأسباب حفظ النفس, ووفر لنفسه البيئة الجيدة، مثل: البيئة الصحية، والبيئة التغذوية, والبيئة الرياضية, والبيئة النفسية كذلك.

في هذا المقام يمكن القول أن قانون الحياة والموت ساري المفعول حتى قيام الساعة، وهو صورتان لحقيقة واحدة, فمن جهة الحياة بمثابة  الرحلة  التي وهبها الله سبحانه لعباده ومخلوقاته, وفيها العبادة والنعم والخيرات والزينة والمنافع..الخ, وعلى الوجه الآخر خلق الموت كنهاية لهذه الرحلة, فجعل هذا القانون ليتم اختبار الأنفس البشرية في أعمالها خلال رحلاتهم هذه, وفي ما أمر الله به, ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾[ سورة الملك: 2], وقد قدر الله الموت على جميع المخلوقات (كل نفس ذائقة الموت), فهذه الآيات تدلل على أن مفهوم " الابتلاء" يعني ( الاختبار) كجزء من قانون- (السيرورة والمصير).

 

ح- قانون البقاء والهلاك:

يأتي هذا القانون على خلاف قانون ( الحياة والموت)الذي يختص بالأنفس, فالفارق بينهما أن الحياة  يعقبها موت, والموت يعقبه حياة, وهذا يعني(دورة حياة مستمرة في الأجسام الحية) الى قيام الساعة, أما قانون "البقاء والهلاك" فهو ينطبق على الأجسام الحية والغير حية في ذات الوقت, ويمكن تصنيفه على نحوين:

الأول: ينطبق على  أهل القرى والحضارات والإمبراطوريات (الظالمة), فقد ذكر الله جل في علاه في هذا المقام  أن نهاية الظلم حتمية, وعاقبته وخيمة, وقد أنذر بزوال تلك الحضارات والممالك, وذلك تعلقاً بظلم أهلها, وبعنادهم وبكفرهم وفسقهم, وبالذنوب والمعاصي المرتكبة, وقد يأتي هذا الهلاك على أشكال متغايرة, منها قد يكون بالحروب الطاحنة, والتاريخ زاخر على ذلك, ومنها قد يكون بالصواعق والرياح  وخلافه, وقد جاءت القصص التاريخية في التنزيل الحكيم زاخرة, ليتجلى فيها عظيم العبر والعظات, ولتذكر النفس البشرية بأنها ليست سوى حلقة في دورة (الموت والحياة)، مصداقاً لقوله تعالى:﴿ وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: 58].

الثاني: هذا القانون متعلق بالأجسام الغير حية, (الموجودات المادية), فمنها ما يهلك ويفني فلا يبقى لها أثر, ولا تعود للحياة, بفعل عوامل الطبيعة(البراكين والزلازل والانفجارات...), ومنها ما يتغير شكله ويتم إعادة إنتاجه بأيدي إنسانية( المصنوعات), إلا أن هذا النوع في المحصلة, ونهاية المطاف سينتهي عمره الافتراضي ويفنى كذلك, ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾[ القصص: 88], فقد جاءت هذه الآيات لتخبر الناس جميعاً أن موجوداتها المادية التي سخرها  الله لها معرضة كذلك للفناء والهلاك.

أخيراً:
التنزيل الحكيم زاخر بهذه القوانين, حيث يصعب المقام حصرها جميعاً, ولكن ما يمكن قوله أن جميع هذه القوانين جاءت وفق نظم شرعها الله لتحكم وتنظم دورة الحياة الكونية- المادية, والطبيعية، والإنسانية، ولتنفي عنها العفوية والعشوائية, وتنفي عنها كذلك صيغة (السكون والثبات), وصيغة( الأحادية), فأي شيء في هذا الكون لم ولن يحدث خارج إطار هذه القوانين، سواء علمها الإنسان أم جهلها- أدركها أم لم يدركها، أحبها أم كرهها, قبلها أم رفضها, مع الإشارة الى أن لا دور ولا دخل للإنسان  في القوانيين الكونية "المادية" تحديداً, ولكن قد يبرز هذا الدور وهذه العلاقة في القوانين الاجتماعية والتشريعية, سواء سلباً، أم ايجاباً.

خلاصة: هذه القوانين سواء الكونية أم الإلهية - لو استطعنا فهمها جيداً واتبعنا شروطها وعملنا بأسبابها فسوف تستقيم لنا الحياة، وسوف تقربنا الى الله, فكما قال الإمام "أبو حامد الغزالي" في كتاب "الاحياء", أن المطلوب الذهاب الى ابعد نقطه ممكنة من العلم, حتى العلم بالله وبصفاته وافعاله وسننه في خلقه, معتبراً  أن هذا العلم مطلوب لذاته للتوصل لسعادة الاخرة.

أحبتي: هذا البحث ليس الهدف منه استنباط أي حكم شرعي أو ديني, ولكنه محاولة مني للفهم, فإن لم يُفد أحد فحسبي أنه زادني علماً وإيمانا, ومن رأى في كلامي نقصاً أو خطأً،  فليهدني الصواب، ومن كان لديه علم فليرشدني إِليه، فالقدسية ليست للكلمات، بل  للمعاني والدلالات الصحيحة، والآثار الطيبة, فإن خانني التعبير في هذا المقام، فلا يخون أحدكم الظن والتفسير, وسلام على من عدل وجدد من فكره, فإستقام علمهُ. 

الله ولي التوفيق

تابعنا على هذه الصفحات

   👇👇👇👇👇     

       

  • Facebook
  • Facebook page
  • twitter
  • YouTube
  • Telegram
  •  

    ليست هناك تعليقات

    رأيكم مهم وهو دعم منكم لنا

    إعلان أول الموضوع

    إعلان وسط الموضوع

    إعلان أخر الموضوع

    Back to top button