وصف المدون

إعلان الرئيسية

 


لماذا التوجه في الصلوات نحو الكعبة, ولماذا الطواف حولها؟

 

الكاتب والباحث/ عبد المنعم إبراهيم

 

يدور الحديث في هذا المقال حول شعيرة مهمة من الشعائر الايمانية التي درج المسلمون على اعمالها, الا وهي الحج الى بيت الله الحرام  والطواف حول الكعبة, ومجموعة الطقوس المتبعة في الحج, فضلاً عن  الحديث عن توجه المسلمون في جميع بقاع الارض في صلواتهم نحو القبلة (الكعبة), في هذا المقام  يتبادر الى الأذهان التساؤل حول "علة هذا الطواف وهذا الاتجاه", التي تحتاج بطبيعة حالها الى التحقق والاثبات, في هذا المقام حاولت جاهداً البحث والتحقق وذلك للاهتداء الى نتيجة منطقية من الممكن استساغتها بعيداً عن التفسيرات النمطية(السائدة), والتي بعون الله سأطرح ما عقلته منها خلال هذا المقال, سائلاً المولى أن أكون قد أصبت ووفقت بها.

 

بداية:

المعرفة الانسانية قديما كانت تقوم على  ما يدركه ( سمع وبصر) الأنسان, وما يعقله "فؤاده" ذلك في علاقته مع المشخصات من ظواهر الطبيعة, التي ما كان لذلك الإنسان الاستغناء عنها خلال مسيرة حياته, على الرغم من خوفه ورعبه الدائمين منها, ما يعني حسب درجه وعيه (آنذاك) انه لم يكن  يفهم الأشياء الا ما يرى ويلمس منها مادياً- ما يمكن اعتبار ذلك تناقضا تسبب له كثيرا من التشويش في فكره, لأنه بكل بساطه لم يكن يدرك بعد قوانين الكون الفيزيائية, ولا يعقل مفاهيم "البعث, والنار, والجنة, والحساب, والعذاب...الخ", ما تسببت تلك الحالة له بالخلط ما بين (المفاهيم المجردة), وبين (القيم المشخصة), وبالتالي: انسحب هذا الخلط على الصورة التصورية للإله المعبود لديه, وبين عناصر الطبيعة, ما تسبب في بروز بعض العبادات الغريبة في ذلك الزمان, التي بطبيعة الحال رفضها الدين الاسلامي فيما بعد, تلك العبادات التي تمثلت في عبادة الشمس والنجوم والكواكب... تارة, وعبادة الشجر والنار... تارة أخرى,  وحتى عبادة الحيوانات في بعض الأحيان, ومن ثم الانتقال الى عبادة الاصنام والوثنيات في مراحل لاحقة, وبقي ذلك الجاهلي أسيرا لفكرة "المشخصات" ما جعله عاجزاً عن الارتقاء بفكره بالمفهوم الإيماني "المجرد".   اللافت هنا أن هذه الحالة خلقت لدى بعض القبائل  مفهوم "التخصيص في العبادة", بمعنى أصبح لكل قبيلة وجماعة "إله" خاص بها, والتي سأبين بعض منها في السياق التالي:.

                                                                                         

العبادات:

في أغلب الأديان يشير مصطلح العبادة إلى أنه عمل يقوم به الإنسان حيث يعبر من خلاله عن خضوعه وإجلاله  للإله الذي يؤمن به، وقد كان الشكل السائد للتدين في اوساط القبائل في ما قبل الإسلام قائمًا على تبجيل وتقديس هذه الآلهة، التي كانت آنذاك بطبيعة حال أهلها تحمل مسميات متعددة مثل (هبل واللات ومناة, وودّ، وسواع، ويغوث.. وخلافها). لدرجة أن  بعض تلك الأصنام ( المعبودة) كانت تختص بقوم دون غيره، فعلى سبيل المثال كانت قريش تعبد "العزّى" ، والأحابيش كما ذكرت الروايات كانوا يعبدون "إساف"، وهكذا، وقد كانوا يقومون بتقديم القرابين، والقرابين البشرية في بعض الحالات لبعضٍ من هذه الآلهة, وقد تجسدت حالة القرابين البشرية حتى زمن سيدنا ابراهيم, معتقدين أصحاب هذه العادات أن تلك القرابين ما هي إلا عبادة تقربهم الى الله وتشفع لهم عنده, تجدر الاشارة في هذا المقام الى أن من تلك العادات والعبادات الغريبة التي ظلت موجودة حتى فتح مكة أن اهل الجاهلية رجال ونساء كانوا يطوفون حول الكعبة عراة, فأمر الله سبحانه وتعالى بستر العورة فقال تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}, وكانوا كذلك يلطخون جدران الكعبة بدماء الذبائح, وكانوا كذلك ينصبون الأصنام على جبلي الصفا والمروة, كثيراً من تلك الطقوس الشركية " التشخيصية" كانت قائمة قديماً, حتى جاءت الرسالة المحمدية, وجاء الإسلام لتوحد الاتجاه (القبلة), وتصحح المسار, والاعتقادات الخاطئة التي مارسها الجاهليون في طقوسهم العبادية.

 

لقد بقيت النزعة(المادية) قائمة عند الانسان القديم والجاهلي, وكان مفهوم التجسيد هو المفهوم السائد في عقل ذلك الجاهلي, فتلك العقول لم تؤمن ولم تكن تريد أن تدرك إلا الأشياء المحسوسة والملموسة, حيث تمثلت هذه النزعة  "التشخيصية" جلياً في فكر بني إسرائيل, حيث طلبوا من سيدنا موسى رؤية الله ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) وظهرت كذلك في قصة البقرة, وقد تجسدت هذه النزعة كذلك في فكر قوم سيدنا عيسى, حيث أن الحواريين طلبوا من سيدنا عيسى أن ينزل عليهم مائدة من السماء, {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }, أما في عهد سيدنا محمد صل الله عليه وسلم  فقد مارس كفار قريش تلك "النزعة", حيث طلبوا منه معجزات مادية, قال تعالى: ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه).

أخيراً:

لقد ظلت تلك العقائد والنزعات قائمة ومستمرة حتى وحد  الله رسالاته وختمها برسالة سيد الخلق محمد صل الله عليه وسلم، الذي طهر البلاد من هذه الشركيات، وأبطل تلك  الطقوس والعادات المخالفة للدين الاسلامي , وجعل العبادة  خالصة لله, قال تعالى:﴿وَلَقَد بَعَثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولًا أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ وَاجتَنِبُوا الطّاغوتَ ﴾  فكان لا بد ان تتوحد هذه العبادات والطقوس, وكان لابد أن يكون لها من مركز وقبلة  واحدة, من خلالها يتم الاتصال وإقامة العلاقة مع الله, وقد تمثل ذلك  في الكعبة المشرفة, التي يعني الطواف حولها استشعار لجميع معاني ودلالات وقدسية المكان, وإستشعار العلاقة مع الإله المعبود الحق, مع الاحتفاظ بطبيعة الحال بوجود دور العبادة ( المساجد) المنتشرة في كافة بقاع الارض كبيوت من خلالها يتم إقامة الشعائر والصلوات وإنشاء علاقة مع الله.

 

ويبقى تعريف بيت العبادة على وجه العموم على أنه كل مكان يمكن للمسلم من خلاله انشاء علاقة مع الله, وبذلك يكون رب العزة قد جعل شبكة العلاقات معه متفرعة في جميع الاتجاهات, وفي كل بقاع الأرض، ووضع  بطبيعة الحال لها جميعاً مركزاً موحداً لإقامة وانشاء هذه العلاقة(الكعبة), وهنا قد يسأل سائل- ماذا بخصوص من تاه  وتقطعت به السبل في بلاد الله سواء في بر ام في بحر ويريد أن ينشئ علاقة مع الله(إقامة الصلاة) ولكنه لم يستطيع تحديد قبلته, هنا نقول وبالله المستعان أن رب العزة قد وضع حل لهذه الاشكالية, وذلك في قوله تعالى:(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ).

 

خلاصة:

لقد اراد  رب العزة في ظل  رسالة الاسلام الخاتمة أن  يحسم الأمر وينهي اشكالية(المجردات), ونزعة (المشخصات) التي صنعت الشركيات, وخلقت الآلة المتعددة التي كانت سائدة عند أهل الجاهلية, وحتى عند بعض أتباع الرسالات السابقة, وذلك بتوحيد العلاقة معه من خلال الربط ما بين العبادات كمفهوم مجرد, وبين الطقوس والشعائر كمفهوم مشخص, ويتمثل ذلك في البيت الحرام "الكعبة"  كمفهوم مشخص  للعبادة, وجعلها قبلة لكل من أراد إقامة هذه العلاقة, سيما وان استقبال هذا البيت في الصلوات لهو صورة من صور توحيد الأمه خلف مراكز التواصل وإنشاء العلاقة العبادية بشتى أشكالها  مع الله , الذي يعني بالتبعية الاعتراف والتسليم بالإله المعبود الواحد الاحد. 

 تنويه:

هذا البحث ليس الهدف منه استنباط أي حكم شرعي او ديني, ولكنه محاولة مني للفهم, فان لم يُفد احدا فحسبي انه زادني علماً وايمانا .

الله ولي التوفيق

تابعنا على هذه الصفحات

   👇👇👇👇👇     

       

  • Facebook
  • Facebook page
  • twitter
  • YouTube
  • Telegram
  •  

    ليست هناك تعليقات

    رأيكم مهم وهو دعم منكم لنا

    إعلان أول الموضوع

    إعلان وسط الموضوع

    إعلان أخر الموضوع

    Back to top button